الشيخ محمد الصادقي الطهراني

358

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

تعوُّد الخمر حتى نزلت آية المائدة إلى « فهل أنتم منتهون » فقال : انتهينا انتهينا « 1 » ؟ ! . فهل ان بيان اللَّه في الأربع الأولى من الخمس غير شاف ؟ والقرآن بيان للناس ! أم إن هيمان الخليفة على الشرب صده عن شفاءه بذلك البيان الشامل ! أم هو في نفسه قاصر الفهم لحدٍّ ليس ليفهم بيان اللَّه الشافي الوافي فيتطلب بعدُ بياناً شافياً ؟ أنا لا أدري ، والخليفة ومناصروه أدرى ! أدرى بمدى خمر عقله ولبه عن معرفة الحق المرام في آيات اللَّه ، لحد يعتبر بيانه غير شافٍ ! وترى كيف لا ينتهي الخليفة عن الشرب طول العهدين رغم آياتهما المحرمة للخمر ، حتى السنة الأخيرة من العهد المدني حين تنزل آية المائدة فتقرء عليه ؟ وهل كان الرسول صلى الله عليه وآله ساكتاً عنه ، وتاركاً للحدِّ عليه ، أم لم يؤمر بعد بالحد وقد ختمت مدته وانتهت دعوته ؟ كلا ! إنه أدبه وضربه ، « 2 » ولقد نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على غرار نهي اللَّه قائلًا :

--> ( 1 ) . الدر المنثور 1 : 252 - أخرج ابن أبي شيبة وأحمد في المسند 1 : 53 وعبد بن حميد وأبو داود في سننه 2 : 128 والترمذي وصححه والنسائي في السنن 8 : 287 وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم في المستدرك 2 : 278 و 4 : 143 وصححه والبيهقي في سننه 8 : 285 والضياء المقدسي في المختارة عن عمر أنه قال : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فإنها تذهب المال والعقل فنزلت : يسألونك عن الخمر والميسر في سورة البقرة فدعي عمر فقرءَت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية التي في سورة النساء : « يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى » فكان منادي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إذا أقام الصلاة نادى ان لا يقربن الصلاة سكران فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرءت عليه فلما بلغ « فهل أنتم منتهون » قال عمر : « انتهينا انتهينا » أقول : واخرجه الطبري في تاريخه 7 : 22 والجصاص في احكام القرآن 3 : 245 وأقره الذهبي في تلخيصه والقرطبي في تفسيره 5 : 200 وابن كثير في تفسيره 1 : 255 و 2 : 92 نقلًا عن أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه وعلي بن المديني في اسناد صالح صحيح وفي تيسير الوصول 1 : 124 وتفسير الخازن 1 : 512 وتفسير الرازي 3 : 458 وفتح الباري 8 : 225 والآلوسي في روح المعاني 7 : 15 . وقد يتحسر الخليفة حين نزلت آية المائدة قائلًا : « ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر » ويكأنها ما قرنت بالميسر في آية البقرة النازلة قبل المائدة طول الهجرة ، كما يتحسر أخرى قائلًا : « اقرنتِ بالميسر والأنصاب والأزلام بعداً لك وسحقاً » وقد قرنت بالميسر في البقرة ! ( المصدر 2 : 215 ) ( 2 ) . في لفظ الزمخشري في ربيع الأبرار وشهاب الدين الأبشيهي في المستطرف 2 : 291 شرب عمر الخمرقبل الآية الأخيرة فاخذ بلحى بعير وشيج به رأس عبد الرحمن بن عوف ثم قعد ينوح على قتلى بدر فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فخرج مغضباً يجر ردائَه فرفع شيئاً كان في يده فضربه فقال عمر : أعوذ باللَّه من غضبه وغضب رسوله فانزل اللَّه : انما يريد الشيطان الآية فقال عمر : انتهينا انتهينا . أقول : وبعد قوله الانتهاء لم يكن لينتهي عن شرب النبيذ الشديد وكان يقول : انا نشرب هذا الشراب الشديد لنقطع به لحوم الإبل في بطوننا ان تؤذِينا فم رابه من شرابه شيء فليمزجه بالماء ( اخرجه وما في معناه في السنن الكبرى 8 : 299 ومحاضرات الراغب 1 : 291 وكنز العمال 3 : 109 نقلًا عن ابن أبي شيبة وكان يقول : اني رجل معجار البطن أو مسعار البطن واشرب هذا النبيذ الشديد فيسهل بطني ( اخرجه وما في معناه ابن أبي شيبة كما في كنز العمال 3 : 109 وجامع مسانيد أبي حنيفة 2 : 190 و 215 ) . كان يشربه طول حياته إلى آخر نفس كما عن ابن ميمون : شهدت عمر حين طعن اتي بنبيذ فشربه ( تاريخ الطبري 6 : 156 ) وذلك لحبه الشديد للخمر وكونه اشرب الناس في الجاهلية ( اخرجه ابن هشام في سيرته 1 : 268 والبيهقي في السنن الكبرى 10 : 214 ) فلم يك يترك بديلها النبيذ رغم حرمته كما في نص النبي صلى الله عليه وآله : ان ما اسكر كثيره فقليله حرام ( اخرجه الدارمي في سننه 3 : 113 والنسائي في سننه 8 : 301 والبيهقي في سننه 8 : 296 وأبو داود في سننه 2 : 129 واحمد في مسنده 3 : 167 والترمذي في صحيحه 1 : 342 وابن ماجة في سننه 2 : 332 والبغوي في مصابيح السنة 3 : 67 ) والخطيب في تاريخه 3 : 327 ) وابن الأثير في جامع الأصول كما في التيسير 2 : 173 وعشرات أمثالهم ) . وقد كان عمر نفسه يجلد من يشرب النبيذ كما عن الشعبي : شرب اعرابي من إداوة عمر فأغشي فحدّه عمر ثم قال : وانما حده للسكر لا للشرب ( اخرجه العقد الفريد 3 : 416 والجصاص في احكام القرآن 2 : 565 وحاشية سنن البيهقي لابن التركماني 8 : 306 وكنز العمال 3 : 110 والقاضي أبو يوسف في كتاب الآثار 226 من طريق أبي حنيفة عن إبراهيم بن عمر ان الكوفي التابعي ) . فنراه يشرب النبيذ على حرمته قليلة وكثيرة بنص حديث النبي ثم يحد من يسكره بكثيرة فقط ! ! !